فاروق القدومي (1931-2024)

2025-05-05

وُلد المناضل والقائد الفلسطيني فاروق رفيق أسعد أحمد عودة ذياب القدومي المعروف بـ"أبو اللطف" يوم 18 أغسطس/ آب 1931في قرية جينصافوط قرب قلقيلية، إلا ان أصوله  تعود الى قرية كفر قدوم من فرع عائلة "أسعد باشا الأحمد القدومي" الذي كان من ملاك الأراضي في جينصافوط و كفر قدوم و قرى اخرى، و أمه غصون بنت علي الحسن من قلقيلية من عائلة شريم، وهي من أكبر عائلات قلقيلية، وكانت رئاسة البلدية آنذاك من نصيبهم، نشأ فاروق القدومي يتيماً حيث توفي والدُه في سن الثامنة والأربعين وهو في بطن أمه بالشهر السابع من الحمل، وكان أصغر أخوته الثلاثة: شوكت وغالب و خولة.

تلقَّى القدومي تعليمه الدراسي بين جينصافوط ويافا وعكَّا، حيث درس الابتدائية في جينصافوط، وفي بداية عام 1939 انتقلت عائلته لتعيش في مدينة يافا حيث كان يقطن شقيقه الأكبرشوكت ولتوفير العلاج لشقيقته خولة، فأكمل القدومي دراسته في مدرسة المنشية هناك، ثم التحق عام 1942 بمدرسة العامرية لإكمال دراسته الثانوية. 

أيقظت يافا حواسه الوطنية بشدة، حيث شهد سيطرة البريطانيين والعصابات الصهيونية على الشرطة والإدارات، وكيف سعى البريطانيون إلى تهجيرالفلسطينيين، ونقل ملكية الأراضي الفلسطينية الى الصهاينة، فقرر القدومي ابن الأربعة عشر عاماً الإلتحاق بمنظمة النجادة الفلسطينية عام 1945 وهي منظمة شبه عسكرية هدفها الوقوف بوجه عصابات الهاجاناه الصهيونية، وتحذير الفلسطينيين ودعمهم في كافة المدن والقرى، تأثر القدومي بأساتذته في التعليم الثانوي الذين كانوا من أصحاب الفكر الوطني القومي كالاستاذ كمال سعد الدين والأستاذ أحمد السبع، وانكَب على متابعة مفكرين وطنيين أمثال عبدالله الريماوي والدرهلي ونيقولا حنا وحسن الدباغ، حيث أشبع نهمه للقراءة بالعديد من الكتب الفكرية السياسية، وأظهر اعجاباً خاصاً بسيرة عزالدين القسام الذي ركزعلى الوحدة ومقاومة الاستعمار البريطاني كعدو رئيسي بدلا من مفاوضته، وإضافة لحبَه للقراءة، كان القدومي يهتم بالرياضة ويجد فيها توازناً يُكمل بها شغفه العقلي حيث صنع من القراءة حكمة ومن رياضة كمال الاجسام والملاكمة قوة لجسده.  

مع أحداث النكبة عام 1948 هُجرت عائلة القدومي من يافا اُسوة بما يقارب مليون فلسطيني تم انتزاعهم من أرضهم، فأضطرت العائلة للعودة إلى جينصافوط، لتغادرها لاحقاً وتستقر في مدينة نابلس، كان فاروق القدومي ابن السبعة عشرعاماً حينها قد أنهى دراسته الثانوية في حزيران من ذات العام، وتوجه في العام 1949 إلى الأردن حيث التحقَ بالجيش الأردني وعمل كاتباً على الآلة الكاتبة في الإدارة العامة في الجيش الاردني، وفي عام1950  سافر إلى السعودية حيث عمل في شركة أرامكو للسكك الحديدية في مدينتي الدمام والرياض حتى عام 1954 حيث قرَّر العودة إلى الدراسة، فالتحق بالجامعة الأميركية بالقاهرة، وحصل على شهادة  البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1958، وأثناء دراسته في مصر عام 1954 التقى فاروق القدومي بالطلبة الفلسطينيين الذين ساهموا بإنشاء رابطة الطلاب الفلسطينيين هناك ، وتعرَف على ياسرعرفات "أبو عمَّار" وصلاح خلف "أبو إياد"، كان القدومي حينها أمين فرع حزب البعث في مصر، وشكَل هذا اللقاء البداية لمسيرة طويلة من النضال السياسي والدبلوماسي حيث عملوا معاً لتأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في نهاية الخمسينات بمشاركة خليل الوزير "ابو جهاد" ومحمود عباس "ابو مازن"،  وغيرهم من المؤسسين الأوائل.

انتقل القدومي بعد تخرجه من الجامعة عام 1958 إلى ليبيا للعمل في مجلس الإعمار الليبي لمدة أربعة أشهر، ثم عاد إلى السعودية للعمل في مديرية الزيت والمعادن التي سبقت إنشاء وزارة النفط هناك، ثم انتقل بعدها الى الكويت  للعمل في وزارة الصحة وهناك التقى مجدداً بياسر عرفات وصلاح خلف، وفي عام 1959 وخلال اجتماع سرَي ضمَ  ياسرعرفات وخليل الوزير وصلاح خلف وفاروق القدومي وعادل عبد الكريم وعبد الله الدنان ويوسف عميرة وتوفيق شديد، تم تأسيس حركة فتح بصورة سرية في الكويت.

يُعتبر فاروق القدومي (أبو اللطف) أحد أبرز القادة الأوائل المؤسسين لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وانخرط في العمل الوطني السياسي في فترة مبكرة من حياته، حيث انضم في بداية حياته السياسية في أربعينات القرن الماضي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي،  وفي عام1957  زار مصر سعيد السبع وهو أحد أعضاء حركة الضباط الأحرار الأردنيين، فالتقى به أبو اللطف واطَّلع منه على إخفاق التجرِبة الحزبية في الأردن، الأمر الذي دفعه للمساهمة في تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وانطلاقتها مطلع عام 1965، حيث أوضح فاروق القدومي بأن البداية التأسيسية لنواة حركة فتح كانت عبر رابطة الطلبة الفلسطينيين الذين التحقوا بالجامعات المصرية بعد عام 1948، وتمكنوا من تأسيس رابطة الطلبة الفلسطينيين هناك برئاسة "موسى أبو غوش" أحد طلاب كلية الطب الذي خلفه ياسرعرفات بعد تخرجه عام 1952، وكان فاروق القدومي قد أنشأ قبل ذلك في العام 1955 الجمعية العربية التي كانت مكونة من الطلاب العرب وتركز نشاطها على التعريف بأهمية التاريخ الفلسطيني، وأدت دوراً في شرح القضية الفلسطينية وتطوراتها وتداعياتها على الوضع العربي.

 لعب القدومي دوراً بارزاً في حركة فتح منذ نشأتها، فقد كان من أبرز كُتّاب مجلة "فلسطيننا – نداء الحياة"، وعضو اللجنة المركزية للحركة منذ عام 1965، وممثلها في القاهرة، ومسؤول علاقاتها الخارجية، وقد عرف في ذلك الوقت بإسمه الحركي (بشير المغربي) وشغل منصب أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح منذ البداية، وفي عام 1966 زار القدومي وزيرَ الدفاع السوري حينئذ حافظ الأسد، ساعيًا إلى إطلاق سَراح الزعيم الفلسطيني ياسرعرفات الذي كان معتقلًا في سجن المزة منذ 51 يومًا، وقد وافق الأسد على إطلاق سراحه.

في الحادي والعشرين من آذار عام 1968 شنَ العدو الإسرائيلي هجوماً حربياً على قرية الكرامة الحدودية في الأردن (معركة الكرامة) حيث تمكنت القَوات الاردنية وبتعاونها مع مقاتلي حركة فتح وفصائل أخرى لمنظمة التحرير من إلحاق خسائر كبيرة بالأرواح والآليات الاسرائيلية، وكان عدد من أعضاء قيادة حركة فتح متواجدين في الكرامة وهم  أبو عمار، أبو اياد، أبو اللطف وصلاح التعمري إضافة الى ما يزيد عن ثلاثمائة وثمانين مناضلا، اسُتشهد منهم ثلاثة وتسعون فدائياً، وأربع وعشرون شهيداً من أبطال الجيش الأردني، حيث سال الدم و امتزج بين أبناء الضفتين، وبعد هذا الاستبسال طلبت اسرائيل ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي وقف إطلاق النار الذي رفضه الملك حسين حتى انسحاب آخر جندي إسرائيلي من أرض الأردن وشكَلت ملحمة الكرامة نقطة انطلاق ثانية في الثورة الفلسطينية. 

في عام 1969 أصبح أبو اللطف عضوأً في المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي ذات العام رشحته الحركة لعضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة، فأصبح رئيساً لدائرة التنظيم الشعبي، ثم انتقل إلى رئاسة الدائرة السياسية فيها بعد عملية فردان عام 1973 واستشهاد محمد يوسف النجار الذي كان يرأس الدائرة السياسية في المنظمة آنذاك، وقد ارتبط اسمه بالدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أسندت إليها إدارة النشاطات السياسية في الخارج، وأصبحت وزارة خارجية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

أقام فاروق القدومي في الأردن غير أن السلطات الأردنية اعتقلته هو ورفيق دربه صلاح خلف إثر أحداث أيلول الأسود عام 1970، وغادر بعدها إلى دمشق. 

قبيل أسابيع من حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، استقبل الرئيس أنور السادات كلًّا من صلاح خلف "أبو إياد" وفاروق القدومي "أبو اللطف"، عضوَي اللجنة المركزية لحركة فتح، بناءً على طلبه، وأبلغهما بأنه اتخذ قرار شنِّ حرب على إسرائيل، مشيرًا إلى أن الجيش المصري سيدمر خط بارليف، وأنه عند توغله مسافة عشرة كيلومترات سيتدخل العالم لوقف الحرب وإحياء مفاوضات جنيف للسلام. وطلب السادات من خلف والقدومي إعداد 400 فدائي للعمل خلف خطوط العدو.

كان القدومي ضمن قيادات منظمة التحرير الفلسطينية التي غادرت بيروت إلى تونس مروراً بدمشق عام 1982 بعد الغزو الإسرائيلي للبنان.
في عام 1988 تم عقد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر حيث تم اعلان وثيقة استقلال دولة فلسطين، واُنتخب بعدها ياسر عرفات رئيساً لدولة فلسطين، وفاروق القدومي وزيراً لخارجيتها.

بعد اتفاقية أوسلو للسلام عام 1993 وبناء على قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحريرالفلسطينية، عُيّن فاروق القدومي رئيساً لمجلس المحافظين في المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية وإعادة الإعمار "بكدار" عام 1994، وتولى التوقيع على اتفاقيات اقتصادية مع الأردن ومصر تتعلق بعمل البنوك الأردنية والمصرية في الضفة الغربية.

وما بين عام 2012 وحتى عام 2016، أولى القدومي اهتماما بالغاً بتوحيد صفوف الجاليات الفلسطينية في أوروبا لتشكيل لوبي فلسطيني ضاغط في المجتمعات الغربية من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، كما كان يقود الحوار الدائم بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية من أجل تعزيز الوحدة الوطنية، بصفته أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح.

كان دور فاروق القدومي محورياً في إبراز القضية الفلسطينية من خلال رئاسته للدائرة السياسية في منظمة التحرير، حيث امتد وتوسع الاعتراف الدولي بفلسطين ومنظمة التحرير وذلك بعرض القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية والعربية، حيث حصلت المنظمة على الاعتراف الدولي بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني عام 1974 من الأمم المتحدة، ودأب القدومي على تحقيق اعتراف دول العالم بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، واتسع اعتراف هذه الدول الى ما يزيد عن120 دولة، وركَزعلى عزل إسرائيل في المحافل الدولية متخذاً من الدبلوماسية أسلوبا للمواجهة، وتتلمذ على يده جيل من السفراء والمبعوثين في مختلف القارات، وانتشرت سفارات وبعثات فلسطين في معظم انحاء العالم حتى عُرف بحقَ بأنه الأب المؤسس للدبلوماسية الفلسطينية.

رأس أبو اللطف وفد فلسطين للدورات المتعاقبة للجمعية العامَة للأمم المتحدة في نيويورك على مدى عقود، كما مثَل فلسطين في اجتماعات جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي(منظمة التعاون الإسلامي فيما بعد) وحركة عدم الانحياز، وقاد جهود توطيد علاقات المنظمة بالدول العربية و دول العالم على مدى ثلاثة عقود ونيَف، وبخاصة الاتحاد السوفيتي والصين والهند، بالإضافة لدعمه حركات التحرر في ايران وافريقيا، كما ووثق العلاقة مع دول أمريكا اللاتينية حتى أسماه فيديل كاسترو جيفارا فلسطين وقلده أرفع الأوسمة الكوبية.
كان فاروق القدومي أبرز القادة المعارضين لاتفاقية أوسلو للسلام عام 1993، حيث رفض الاتفاقية بشدّة وبشكل علني معتبراً أنها تُمّثل تنازلاً عن الحقوق الفلسطينية ولا تحقق الهدف الأساسي للشعب الفلسطيني، وهو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وعلى إثر ذلك رفض القدومي العودة مع قيادات منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأراضي الفلسطينية وبقي مقيماً في تونس حتى عام 2016 حيث انتقل إلى عمَان في الأردن.
يُعدَ فاروق القدومي من أبرز رموز النضال الوطني الفلسطيني، فقد سلك درب النضال منذ نعومة أظفاره، وكان مؤمناً بأن الكفاح المسلح بجانب العمل السياسي هما الطريقان لتحرير فلسطين، عُرف بمواقفه الثابتة ورفضه لأي تنازل عن الثوابت الفلسطينية وظلَ يحمل راية التحرير الكامل ويؤمن أن فلسطين هي حق لا يسقط بالتقادم، ولم ينقطع عن الساحة السياسية الفلسطينية منذ خمسينات القرن الماضي، كما ظل وفيًا لمبادئ الثورة حتى عندما تباينت المسارات داخل القيادة الفلسطينية.
حاز القدومي على العديد من الأوسمة التكريمية أبرزها وسام نجمة الشرف الفلسطينية عام 2015، كما أنه حصل على جائزة ياسر عرفات للانجاز عام 2020.

كتب القدومي عدداً من المقالات وله عدد كبير من المقابلات الصحافية المنشورة، وصدر له عدة كتب منها: فلسطين بين الماضي والحاضر النكبة خمسون عاما (1998)، منتصف الطريق عملية السلام على المسار الفلسطيني(1998) ، مسار الثورة وثوابتها الوطنية (2011)، لكي لا تحرثوا الأرض (2011)،  دفاتر الثورة الفلسطينية دفاتر الفتح (2012)، 

تُوفي فاروق القدومي في العاصمة الأردنية عمَّان، يوم الخميس 22 أغسطس / آب2024، عن عمر ناهز ثلاثة وتسعين عاماً بعد معاناة مع المرض، وشُيع جثمانه الطاهر من مسجد أبو عيشة ضمن مراسم عسكرية، حيث ووري الثرى يوم 23 أغسطس 2024 في مقبرة العائلة في  سحاب الأردنية، وكانت قد رحلت قبله بوقت قصير رفيقة دربه وزوجته نبيلة النمر "أم اللطف" التي توفيت في 26/06/ 2024، ولهما إبنان وهما لطف ورامي.

رحل القدومي تاركاً خلفه سيرة مُشرَفة من النضال والعمل الدؤوب من أجل فلسطين التي فقدت بوفاته قامةً وطنيةً كبيرة، وأحد رجالاتها المخلصين الأوفياء الذين دافعوا عن شعبنا وقضيته الوطنية وحقوقه المشروعة في العودة وتقرير المصير والحرية والاستقلال، وقدَموا الكثير لأجل فلسطين، وتركوا علامات فارقة في التاريخ الفلسطيني.

رحم الله القائد المؤسس فاروق القدومي أبو اللطف واسكنه فسيح جناته